الشيخ محمد رشيد رضا

167

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ » ويزيده تقريرا وتأكيدا قوله « وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » ولولا ان المراد بالدين جملته ومجموعه لما قال « وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » فالعجب من ابن جرير كيف أذهله ما توهمه من تعارض الروايات عن هذا النص . هذا وان قول ابن عباس ( رض ) ان اللّه اكمله فلا ينقصه أبدا ، أثبت وأظهر من قول عمر ( رض ) ما بعد الكمال الا النقص ، الا أن يجمع بينهما بان ابن عباس أراد الدين نفسه ، وعمر أراد قوة الاخذ والاستمساك به والاخلاص فيه ، إذ لا شك في أن هذا المعنى كان في عهد النبي ( ص ) أتم وأكمل فالراجح انه هو مراد عمر ويؤيده ما روي عنه انه فهم من الآية قرب وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وروي ذلك عن أبي بكر أيضا ، رضي اللّه عنهما وعن سائر الآل والصحب الصادقين المخلصين ، الذين حفظوا لنا بحفظ القرآن والعمل به وبالسنة هذا الدين ، فالعمدة في معرفته حق المعرفة القرآن والسنة العملية التي لم تعرف الا بجريهم عليها ، ولا سعة لمسلم ان يخرج عن هذين الأمرين باجتهاده ورأيه ، اما ما لم يجر عليه العمل ولم يرد في القرآن من أخبار الآحاد القولية أو العملية التي لم تكن سنة متبعة للسواد الأعظم منهم ، فهي التي يجوز أن تكون محلا لاجتهاد المجتهدين من حيث صحة روايتها وتحقيق المراد منها ، وسلامتها من المعارضة ، والترجيح بين المتعارضات منها ، ولا يصح ان يكون شيء من ذلك عقيدة ولا أمرا كليا من أمور الدين ، إذ لو صح هذا لكان منافيا لمنة اللّه على المؤمنين كافة بأنه أكمل لهم الدين وأتم عليهم النعمة ، ولا يعقل ان يكون هذا الاكمال والاتمام متوقفا على ما لم يطلع عليه الا الآحاد من الناس . بل يكون هذا النوع في الفروع والمسائل الجزئية التي ينفع العلم بها ، ولا يضر أحدا في دينه ان يجهلها ، ولهذا لم يشترط أحد من العلماء في الاجتهاد والإمامة في فهم الدين الإحاطة بأحاديث الآحاد المتعلقة بهذه الجزئيات ثم قال عز وجل فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ الاضطرار هو دفع الانسان إلى ما يضره وحمله عليه أو إلجاؤه اليه . فهو صيغة افتعال من الضرر وأصل معناه الضيق ، وهذه الصيغة تدل على التكلف فالاضطرار تكلف ما يضر بملجئ يلجئ اليه . والملجئ إلى ذلك إما ان يكون من نفس الانسان وحينئذ لا بد ان يكون ضررا